حقيقة أدوية الاكتئاب… هل تعالج فعلًا خللًا كيميائيًا؟

لأكثر من ثلاثين عامًا، تم إقناع ملايين المرضى حول العالم بأن الاكتئاب سببه “خلل كيميائي” في المخ، تحديدًا نقص في السيروتونين.

وتم تقديم مضادات الاكتئاب على أنها تصحح هذا الخلل كما يصحح الإنسولين نقص السكر في الدم.

لكن السؤال الصريح هو:

هل كان هناك أصلًا دليل علمي قوي يثبت أن الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين؟

الإجابة المختصرة: لا.

أولًا: “الخلل الكيميائي” كانت فرضية تسويقية قبل أن تكون حقيقة علمية

عند إطلاق دواء بروزاك في أواخر الثمانينيات، تم الترويج لفكرة بسيطة وسهلة الفهم:

الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين، والدواء يعيد هذا التوازن.

كانت هذه الرسالة فعالة تسويقيًا.

بسيطة، مطمئنة، ومقنعة للجمهور العام.

لكن من الناحية العلمية، لم يكن هناك في ذلك الوقت — ولا حتى اليوم — دليل حاسم يثبت أن الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين في المخ.

الفكرة انتشرت لأنها سهلة الفهم…

لا لأنها مثبتة علميًا بشكل قاطع.

تم تقديمها للجمهور وكأنها حقيقة نهائية، بينما كانت في أفضل الأحوال فرضية غير محسومة.

ثانيًا: مراجعة 2022… انهيار فرضية السيروتونين

في عام 2022، نشرت الدكتورة جوانا مونكريف وفريقها مراجعة تحليلية شاملة بعنوان:

The serotonin theory of depression: a systematic umbrella review of the evidence

المراجعة جمعت كل الأدلة المتاحة حول العلاقة بين السيروتونين والاكتئاب، بما في ذلك:

  • مستويات السيروتونين في الدم والسائل النخاعي
  • دراسات مستقبلات السيروتونين
  • دراسات استنزاف التربتوفان
  • دراسات الجينات المرتبطة بالسيروتونين

النتيجة كانت واضحة:

لا يوجد دليل متسق يدعم فكرة أن الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين.

هذه ليست مقالة رأي.

هذه مراجعة علمية منهجية نُشرت في مجلة علمية محكمة.

ورغم ذلك، ما زالت الرسالة القديمة تُكرر على المرضى:

“عندك خلل كيميائي.”

ثالثًا: هل أدوية الاكتئاب فعالة أصلًا؟

حتى لو تجاوزنا مسألة “الخلل الكيميائي”، يبقى السؤال الأهم:

ما هو حجم التأثير العلاجي الحقيقي لهذه الأدوية؟

في كثير من التجارب السريرية، يتم قياس التحسن باستخدام مقياس هاميلتون للاكتئاب (HAM-D)، وهو مقياس يتكون من 52 نقطة.

الفرق المتوسط بين مضادات الاكتئاب والدواء الوهمي (Placebo) في عدد كبير من الدراسات لا يتجاوز نحو 2 إلى 3 نقاط.

ووفق المعايير الإكلينيكية، لا يُعتبر هناك حتى تحسن طفيف (Mild Improvement) إلا إذا تجاوز الفرق نحو 7 نقاط على الأقل.

أما عندما يكون الفرق بين الدواء والـ Placebo في حدود 2–3 نقاط فقط،

فهذا لا يرقى إلى مستوى تحسن سريري يُمكن أن يلمسه المريض في حياته اليومية.

بمعنى مباشر:

الفرق موجود رقميًا،

لكن ليس بالقدر الذي يُعتبر تحسنًا علاجيًا حقيقيًا وفق المعايير الإكلينيكية.

وجود فرق إحصائي لا يعني وجود فرق عملي في الواقع.

رابعًا: كيف تعمل هذه الأدوية فعلًا؟

الميكانيزم المعلن هو تعديل السيروتونين.

لكن عمليًا، هذه الأدوية تُحدث تأثيرًا دوائيًا مباشرًا (Drug Effect) مثل أي مادة تؤثر على الجهاز العصبي.

هذا التأثير في كثير من الحالات يتجلى في:

  • تخفيف حدة المشاعر
  • تسطيح الانفعالات
  • تقليل الاستجابة العاطفية
  • نوع من التهدئة الكيميائية

هي لا “تعيد توازنًا مفقودًا” مثبتًا علميًا،

بل تُحدث تأثيرًا عصبيًا يؤثر على طريقة الإحساس والتفاعل.

ومع الوقت، الجسم يتكيف مع هذا التأثير.

تحدث ظاهرة التحمل (Tolerance)،

وقد يحتاج المريض إلى تعديل الجرعات أو تغيير الدواء.

هذه ليست آلية إصلاح جذري.

هذه آلية تأثير دوائي مستمر.

هل تشبه هذه الأدوية موادًا أخرى؟

كل مادة تؤثر على الجهاز العصبي لها تأثير دوائي:

  • النيكوتين
  • الكافيين
  • الكحول
  • المنبهات
  • المهدئات

بعض مضادات الاكتئاب، مثل البوبروبيون (Wellbutrin)، قد يكون تأثيرها منشطًا عند بعض الأشخاص.

لكن في النهاية، هو تأثير دوائي مؤقت.

التأثير قد يكون مهدئًا،

وقد يكون منشطًا،

لكن في الحالتين هو لا يعالج الجذور البيولوجية العميقة:

  • الالتهاب العصبي
  • خلل الميتوكوندريا
  • مقاومة الإنسولين
  • اضطرابات النوم
  • التوتر المزمن

الخلاصة

نظرية “الخلل الكيميائي” لم تكن حقيقة علمية راسخة كما تم تصويرها.

الأدلة الحديثة لا تدعمها بشكل قاطع.

أدوية الاكتئاب قد تُحدث تأثيرًا ملحوظًا عند بعض المرضى،

لكن حجم هذا التأثير في المتوسط محدود،

وآليته أقرب إلى تأثير دوائي مباشر منه إلى تصحيح خلل مثبت في السيروتونين.

إذا أردنا فهم الاكتئاب بعمق،

فعلينا أن نغادر التفسير المبسط،

ونتجه إلى نموذج أوسع يشمل الأيض، والالتهاب، والطاقة، والبيئة البيولوجية الكاملة للمخ.

لأن المشكلة على الأرجح أعمق من مجرد ناقل عصبي واحد.