لماذا الأدوية النفسية ليست الحل الحقيقي؟
على مدار عقود، تم تسويق فكرة واحدة بوصفها حقيقة علمية:
الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين.
تم تبسيط المرض النفسي إلى “خلل كيميائي”، وقيل للمريض إن حالته تشبه مرض السكري، وإنه يحتاج إلى دواء كما يحتاج مريض السكري إلى الإنسولين.
لكن هذه الرواية لم تكن حقيقة علمية راسخة، بل فرضية تم الترويج لها على نطاق واسع.
في عام 2022، نُشرت مراجعة تحليلية كبرى (Meta-analysis) شملت الدراسات المتاحة حول نظرية “الخلل الكيميائي”، وخلصت إلى أنه لا يوجد دليل حاسم يدعم فكرة أن الاكتئاب سببه نقص في السيروتونين.
https://www.nature.com/articles/s41380-022-01661-0
ومع ذلك، ما زال كثير من الأطباء حتى اليوم يخبرون مرضاهم أن مشكلتهم هي خلل كيميائي بسيط يحتاج إلى تصحيح دوائي طويل المدى. وان مرضهم يشبه مرض السكري لابد ان يأخذ المريض الدواء مثل الانسولين.
هذه ليست مجرد مشكلة علمية، بل مشكلة منهجية في طريقة فهم المرض النفسي.
أولًا: فرضية “الخلل الكيميائي” ليست حقيقة مثبتة
النموذج الذي اختزل الاكتئاب في نقص السيروتونين كان مريحًا وسهل الفهم.
لكن سهولة الفهم لا تعني صحة التفسير.
المخ ليس زجاجة دواء ينقصها مركب معين.
هو عضو معقد، يتأثر بالطاقة، والالتهاب، والهرمونات، ونقص العناصر الغذائية، والضغط المزمن، والصدمات النفسية.
تجاهل هذه العوامل والتركيز فقط على تعديل ناقل عصبي واحد هو تبسيط مخلّ لا يتماشى مع تعقيد الواقع البيولوجي.
ثانيًا: مضادات الاكتئاب لا تعالج الجذور — بل تخدّر المشاعر
مضادات الاكتئاب، وخاصة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، لا تعيد “توازنًا مفقودًا”، بل تقوم بتعديل كيميائي قسري يؤدي في كثير من الحالات إلى تخفيف حدة المشاعر بشكل عام.
كثير من المرضى يصفون التجربة بأنها:
- خدر عاطفي
- تسطيح للمشاعر
- فقدان للحماس
- تراجع في الإحساس بالفرح والحزن معًا
لكن المشكلة أعمق من ذلك.
العلاج النفسي (Psychotherapy) يعتمد في جوهره على الاتصال بالمشاعر.
المشاعر ليست عدوًا. ليست “أعراضًا يجب إسكاتها”.
المشاعر هي بوصلة داخلية.
كلمة Emotion مشتقة من Motion — أي الحركة.
المشاعر تدفع الإنسان إلى التغيير، إلى الفعل، إلى المواجهة.
عندما يتم فصل الإنسان عن مشاعره كيميائيًا،
يتم تعطيل جزء أساسي من العملية العلاجية.
بدل أن يتعلم المريض فهم ألمه،
يتم تخفيف الإحساس به دون حل سببه.
ثالثًا: الأدوية النفسية لا تعالج الجذور البيولوجية للمرض
الأمر لا يتوقف عند مضادات الاكتئاب.
مضادات الذهان، التي يُطلب من كثير من مرضى ثنائي القطب والفصام الاستمرار عليها مدى الحياة، تحمل آثارًا أيضية خطيرة:
- زيادة الوزن
- مقاومة الإنسولين
- اضطرابات سكر الدم
- متلازمة الأيض
- اضطرابات الدهون
- تدهور الصحة القلبية
أي أن الدواء الذي يُفترض أنه يحسّن الحالة،
قد يساهم في تدمير البيئة الأيضية للمخ مع مرور الوقت.
ومع تدهور الصحة الأيضية، يتفاقم الالتهاب، وتتراجع وظيفة الميتوكوندريا، ويزداد الخلل الذي كان موجودًا من البداية.
إضافة إلى ذلك، كثير من هذه الأدوية:
- تضعف الحافزية
- تقتل الدافعية
- تقلل الحيوية
- تجعل الشخص يعيش في حالة من الخمول النفسي المزمن
الأدوية في هذا السياق تشبه المسكنات القوية:
تخفف الألم، لكنها لا تعالج المرض.
وإذا استُخدمت دون معالجة السبب،
فإن المشكلة الأصلية تستمر في التفاقم تحت السطح مما يؤدي في النهاية الي مضاعفات خطيرة.
هل يعني ذلك أننا ضد الأدوية النفسية مطلقًا؟
لا.
هناك حالات حادة تتطلب تدخلًا دوائيًا فوريًا:
- نوبات ذهانية
- هياج حاد
- أفكار انتحارية غير محتملة
- اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها مؤقتًا
في هذه السياقات، قد تكون الأدوية ضرورة لإدارة الحالة.
لكن تحويل التدخل المؤقت إلى استراتيجية مدى الحياة دون البحث الجاد عن الأسباب الجذرية، هو ما يمثل المشكلة.
الحل الحقيقي: معالجة الجذور لا تسكين الأعراض
العلاج الحقيقي لا يبدأ بالسؤال:
“أي دواء نُضيف؟”
بل يبدأ بالسؤال:
“لماذا اختلّ هذا النظام من الأساس؟”
الطب النفسي الأيضي والطب الوظيفي يوجهان التركيز نحو:
- الالتهاب العصبي
- مقاومة الإنسولين
- خلل الميتوكوندريا
- الإجهاد التأكسدي
- اضطراب النوم
- سوء التغذية
- التوتر المزمن
بدل إدارة السطح، يتم التعامل مع العمق.
بدل تعديل كيمياء المخ قسرًا،
يتم إصلاح البيئة التي تعمل فيها هذه الكيمياء.
الخلاصة
الأدوية النفسية ليست حلًا جذريًا.
هي أدوات لإدارة الأعراض.
الاعتماد عليها كحل نهائي، دون معالجة الخلل الأيضي والبيولوجي الكامن، هو تأجيل للمشكلة لا حل لها.
إذا أردنا علاجًا حقيقيًا،
فعلينا أن نعيد تعريف المرض النفسي من جذوره.
والبداية تكون من الجسم…
ومن الأيض…
ومن فهم أن المخ ليس منفصلًا عن بقية الجسد..